السؤال: هل معرفة الذات متوقفة على ذاتها أم على الغير؟
طرح المشكلة:
إن التفاعل الاجتماعي، يقتضي ضرورة تشكيل نسيج من العلاقات بين الأفراد، تربطه بهم علاقة التأثير والتأثر، التجاذب والتنافر... وكل يسعى للتعبير عن ذاته، وإثبات وجوده، وتمييزها عن الغير، غير أن المشكلة التي أرقت الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها، وذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين، الأولى تعتقد أن الأنا يتشكل بمفرده عبر الشعور، والنزعة الثانية تؤكد على وجوب مشاركة الآخر، أي الغير أضحت أمرا ضروريا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفته لغيره؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو؟
محاولة حل المشكلة:
يذهب مجموعة من الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الوعي أو الشعور، من بين هؤلاء الفلاسفة نجد ديكارت، آلان، ويبررون ذلك من خلال:
إن الوعي أو الشعور الداخلي (الاستبطان) يسمح بمعرفة الذات وعلاقتها مع الآخرين، ذلك أن كل ذات تعي ذاتها، وتعرف حقيقة أناها، وما يجري بها من انفعالات،... فالوعي إذن هو المرجع الأساسي المـحدد لـحقيقة الأنا الذاتي، في إثبات وجوده وتفاعله مع الغير، هذه الـحقيقة توصل إليها ديكارت من خلال الكوجيتو:"أنا أفكر، أنا موجود"، فالنفس البشرية أو الذات لا تنقطع عن التفكير (الوعي)، إلا إذا انعدم وجودها،"فالشعور هو الذي به أعلم أنني موجود، وأن الغير موجود، وأن العالم موجود"، كما أنهم بأن الوعي هو الميزة الجوهرية في الذات والإنسان يستطيع أن يتعرف على ذاته عن طريق الاستبطان أو التأمل الذاتي، وهو ملاحظة داخلية لما يجري في النفس، يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"، وهذا ما أكده مؤسس الظواهرية هوسرل الذي يعتقد بأنه يجب أن تكون الذات الشاعرة واعية لذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي، وهذا الوعي يكون بموضوع لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء".
لكن الوعي الذاتي قد يكون مجرد تأمل ميتافيزيقي، واستبطان ذاتي، يعبر عن أوهام لا تعبر عن حقيقة الذات وجوهر تميزها (التضخيم، المبالغة...)، كما أن اعتبار الوعي هو المؤسس للذات ووجودها، قد يكون مجرد خداع، وانطباعات خاطئة، تعبر عن ظلال الحقيقة، وليس جوهرها، وهذا ما أشار إليه أفلاطون في أسطورة الكهف.
على النقيض من الاتجاه الأول يرى كل من سارتر وهيجل إلى أن معرفة الذات تقوم على أساس المغايرة أو التناقض، أي أنها تستلزم وجود الغير كضرورة لوجود الوعي بالذات، ومن حججهم:
الذات تتعرف على نفسها على أنها فردية مستقلة متميزة عن الآخر حسب باركلي عندما تقابل الغير، وذلك من خلال المقارنة بين الذات والغير، حيث تحدد الذات جوانب التشابه والاختلاف بينها وبين الآخر، مما يعني أن وجود الغير قد يكون دافعا أساسيا لضبط وتنمية وعي الذات لذاتها يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"، ومعرفة الأنا وإدراك حقيقة الذات من وجهة نظر هيجل تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويمكن توضيح ذلك من خلال جدلية هيجل الشهيرة المعبرة عن علاقة التناقض التي تجمع السيد بالعبد، فالسيد يرتفع عن الأشياء المادية وعن العمل ويسخر العبد كبيان لسيادته لخدمته، أما العبد فينخرط في العمل ، ويسخر قدراته للتأثير في الأشياء، وتشكيلها وفق إرادته، وبمرور الوقت ينسى السيد طريقة التأثير في الأشياء، ويصير تابعا للعبد، ومن هنا يصير كل واحد منهما يدرك حقيقة نفسه وقيمة ذاته، من هذه الجدلية يظهر كل "أنا" مستقل عن الآخر، ومقابل له وجها لوجه، كلا يسعى لإثبات ذاته أمام الآخر، باعتماد الصراع والتناقض.
لكن الصراع ليس مفهوما أخلاقيا خاصة عندما يتحول إلى عنف، وهذا ما نلاحظه في صراع الحضارات، والنظر إلى الصراع على أنه خلاف وانفصال يؤدي إلى نشر ثقافة اللاتسامح، التنافر الوحشي.
من خلال عرض الموقفين يتبين أن أن التعرف على الأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما أنه يرتبط بالأنا انفراديا، أي أن الأنا يتكون من الآخر، كما أنه شخصي، أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للأنا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت.
حل المشكلة:
إن شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفة الآخرين باعتبارهم كائنات تستحق المعاشرة والاحترام والتزكية؛ ومغايرته لهم، إن كانت ضرورية لتثبيت الذات وتأكيد خصوصياتها، لا تكتمل ولا تزدهر إلا بوجود الآخرين والعمل معهم في ظل التعاضد والمحبة.السؤال: هل معرفة الذات متوقفة على ذاتها أم على الغير؟
طرح المشكلة:
إن التفاعل الاجتماعي، يقتضي ضرورة تشكيل نسيج من العلاقات بين الأفراد، تربطه بهم علاقة التأثير والتأثر، التجاذب والتنافر... وكل يسعى للتعبير عن ذاته، وإثبات وجوده، وتمييزها عن الغير، غير أن المشكلة التي أرقت الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها، وذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين، الأولى تعتقد أن الأنا يتشكل بمفرده عبر الشعور، والنزعة الثانية تؤكد على وجوب مشاركة الآخر، أي الغير أضحت أمرا ضروريا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفته لغيره؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو؟
محاولة حل المشكلة:
يذهب مجموعة من الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الوعي أو الشعور، من بين هؤلاء الفلاسفة نجد ديكارت، آلان، ويبررون ذلك من خلال:
إن الوعي أو الشعور الداخلي (الاستبطان) يسمح بمعرفة الذات وعلاقتها مع الآخرين، ذلك أن كل ذات تعي ذاتها، وتعرف حقيقة أناها، وما يجري بها من انفعالات،... فالوعي إذن هو المرجع الأساسي المـحدد لـحقيقة الأنا الذاتي، في إثبات وجوده وتفاعله مع الغير، هذه الـحقيقة توصل إليها ديكارت من خلال الكوجيتو:"أنا أفكر، أنا موجود"، فالنفس البشرية أو الذات لا تنقطع عن التفكير (الوعي)، إلا إذا انعدم وجودها،"فالشعور هو الذي به أعلم أنني موجود، وأن الغير موجود، وأن العالم موجود"، كما أنهم بأن الوعي هو الميزة الجوهرية في الذات والإنسان يستطيع أن يتعرف على ذاته عن طريق الاستبطان أو التأمل الذاتي، وهو ملاحظة داخلية لما يجري في النفس، يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"، وهذا ما أكده مؤسس الظواهرية هوسرل الذي يعتقد بأنه يجب أن تكون الذات الشاعرة واعية لذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي، وهذا الوعي يكون بموضوع لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء".
لكن الوعي الذاتي قد يكون مجرد تأمل ميتافيزيقي، واستبطان ذاتي، يعبر عن أوهام لا تعبر عن حقيقة الذات وجوهر تميزها (التضخيم، المبالغة...)، كما أن اعتبار الوعي هو المؤسس للذات ووجودها، قد يكون مجرد خداع، وانطباعات خاطئة، تعبر عن ظلال الحقيقة، وليس جوهرها، وهذا ما أشار إليه أفلاطون في أسطورة الكهف.
على النقيض من الاتجاه الأول يرى كل من سارتر وهيجل إلى أن معرفة الذات تقوم على أساس المغايرة أو التناقض، أي أنها تستلزم وجود الغير كضرورة لوجود الوعي بالذات، ومن حججهم:
الذات تتعرف على نفسها على أنها فردية مستقلة متميزة عن الآخر حسب باركلي عندما تقابل الغير، وذلك من خلال المقارنة بين الذات والغير، حيث تحدد الذات جوانب التشابه والاختلاف بينها وبين الآخر، مما يعني أن وجود الغير قد يكون دافعا أساسيا لضبط وتنمية وعي الذات لذاتها يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"، ومعرفة الأنا وإدراك حقيقة الذات من وجهة نظر هيجل تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويمكن توضيح ذلك من خلال جدلية هيجل الشهيرة المعبرة عن علاقة التناقض التي تجمع السيد بالعبد، فالسيد يرتفع عن الأشياء المادية وعن العمل ويسخر العبد كبيان لسيادته لخدمته، أما العبد فينخرط في العمل ، ويسخر قدراته للتأثير في الأشياء، وتشكيلها وفق إرادته، وبمرور الوقت ينسى السيد طريقة التأثير في الأشياء، ويصير تابعا للعبد، ومن هنا يصير كل واحد منهما يدرك حقيقة نفسه وقيمة ذاته، من هذه الجدلية يظهر كل "أنا" مستقل عن الآخر، ومقابل له وجها لوجه، كلا يسعى لإثبات ذاته أمام الآخر، باعتماد الصراع والتناقض.
لكن الصراع ليس مفهوما أخلاقيا خاصة عندما يتحول إلى عنف، وهذا ما نلاحظه في صراع الحضارات، والنظر إلى الصراع على أنه خلاف وانفصال يؤدي إلى نشر ثقافة اللاتسامح، التنافر الوحشي.
من خلال عرض الموقفين يتبين أن أن التعرف على الأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما أنه يرتبط بالأنا انفراديا، أي أن الأنا يتكون من الآخر، كما أنه شخصي، أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للأنا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت.
حل المشكلة:
إن شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفة الآخرين باعتبارهم كائنات تستحق المعاشرة والاحترام والتزكية؛ ومغايرته لهم، إن كانت ضرورية لتثبيت الذات وتأكيد خصوصياتها، لا تكتمل ولا تزدهر إلا بوجود الآخرين والعمل معهم في ظل التعاضد والمحبة.
استاذة الفلسفة: دراف خديجة
طرح المشكلة:
إن التفاعل الاجتماعي، يقتضي ضرورة تشكيل نسيج من العلاقات بين الأفراد، تربطه بهم علاقة التأثير والتأثر، التجاذب والتنافر... وكل يسعى للتعبير عن ذاته، وإثبات وجوده، وتمييزها عن الغير، غير أن المشكلة التي أرقت الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها، وذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين، الأولى تعتقد أن الأنا يتشكل بمفرده عبر الشعور، والنزعة الثانية تؤكد على وجوب مشاركة الآخر، أي الغير أضحت أمرا ضروريا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفته لغيره؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو؟
محاولة حل المشكلة:
يذهب مجموعة من الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الوعي أو الشعور، من بين هؤلاء الفلاسفة نجد ديكارت، آلان، ويبررون ذلك من خلال:
إن الوعي أو الشعور الداخلي (الاستبطان) يسمح بمعرفة الذات وعلاقتها مع الآخرين، ذلك أن كل ذات تعي ذاتها، وتعرف حقيقة أناها، وما يجري بها من انفعالات،... فالوعي إذن هو المرجع الأساسي المـحدد لـحقيقة الأنا الذاتي، في إثبات وجوده وتفاعله مع الغير، هذه الـحقيقة توصل إليها ديكارت من خلال الكوجيتو:"أنا أفكر، أنا موجود"، فالنفس البشرية أو الذات لا تنقطع عن التفكير (الوعي)، إلا إذا انعدم وجودها،"فالشعور هو الذي به أعلم أنني موجود، وأن الغير موجود، وأن العالم موجود"، كما أنهم بأن الوعي هو الميزة الجوهرية في الذات والإنسان يستطيع أن يتعرف على ذاته عن طريق الاستبطان أو التأمل الذاتي، وهو ملاحظة داخلية لما يجري في النفس، يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"، وهذا ما أكده مؤسس الظواهرية هوسرل الذي يعتقد بأنه يجب أن تكون الذات الشاعرة واعية لذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي، وهذا الوعي يكون بموضوع لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء".
لكن الوعي الذاتي قد يكون مجرد تأمل ميتافيزيقي، واستبطان ذاتي، يعبر عن أوهام لا تعبر عن حقيقة الذات وجوهر تميزها (التضخيم، المبالغة...)، كما أن اعتبار الوعي هو المؤسس للذات ووجودها، قد يكون مجرد خداع، وانطباعات خاطئة، تعبر عن ظلال الحقيقة، وليس جوهرها، وهذا ما أشار إليه أفلاطون في أسطورة الكهف.
على النقيض من الاتجاه الأول يرى كل من سارتر وهيجل إلى أن معرفة الذات تقوم على أساس المغايرة أو التناقض، أي أنها تستلزم وجود الغير كضرورة لوجود الوعي بالذات، ومن حججهم:
الذات تتعرف على نفسها على أنها فردية مستقلة متميزة عن الآخر حسب باركلي عندما تقابل الغير، وذلك من خلال المقارنة بين الذات والغير، حيث تحدد الذات جوانب التشابه والاختلاف بينها وبين الآخر، مما يعني أن وجود الغير قد يكون دافعا أساسيا لضبط وتنمية وعي الذات لذاتها يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"، ومعرفة الأنا وإدراك حقيقة الذات من وجهة نظر هيجل تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويمكن توضيح ذلك من خلال جدلية هيجل الشهيرة المعبرة عن علاقة التناقض التي تجمع السيد بالعبد، فالسيد يرتفع عن الأشياء المادية وعن العمل ويسخر العبد كبيان لسيادته لخدمته، أما العبد فينخرط في العمل ، ويسخر قدراته للتأثير في الأشياء، وتشكيلها وفق إرادته، وبمرور الوقت ينسى السيد طريقة التأثير في الأشياء، ويصير تابعا للعبد، ومن هنا يصير كل واحد منهما يدرك حقيقة نفسه وقيمة ذاته، من هذه الجدلية يظهر كل "أنا" مستقل عن الآخر، ومقابل له وجها لوجه، كلا يسعى لإثبات ذاته أمام الآخر، باعتماد الصراع والتناقض.
لكن الصراع ليس مفهوما أخلاقيا خاصة عندما يتحول إلى عنف، وهذا ما نلاحظه في صراع الحضارات، والنظر إلى الصراع على أنه خلاف وانفصال يؤدي إلى نشر ثقافة اللاتسامح، التنافر الوحشي.
من خلال عرض الموقفين يتبين أن أن التعرف على الأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما أنه يرتبط بالأنا انفراديا، أي أن الأنا يتكون من الآخر، كما أنه شخصي، أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للأنا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت.
حل المشكلة:
إن شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفة الآخرين باعتبارهم كائنات تستحق المعاشرة والاحترام والتزكية؛ ومغايرته لهم، إن كانت ضرورية لتثبيت الذات وتأكيد خصوصياتها، لا تكتمل ولا تزدهر إلا بوجود الآخرين والعمل معهم في ظل التعاضد والمحبة.السؤال: هل معرفة الذات متوقفة على ذاتها أم على الغير؟
طرح المشكلة:
إن التفاعل الاجتماعي، يقتضي ضرورة تشكيل نسيج من العلاقات بين الأفراد، تربطه بهم علاقة التأثير والتأثر، التجاذب والتنافر... وكل يسعى للتعبير عن ذاته، وإثبات وجوده، وتمييزها عن الغير، غير أن المشكلة التي أرقت الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها، وذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين، الأولى تعتقد أن الأنا يتشكل بمفرده عبر الشعور، والنزعة الثانية تؤكد على وجوب مشاركة الآخر، أي الغير أضحت أمرا ضروريا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفته لغيره؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو؟
محاولة حل المشكلة:
يذهب مجموعة من الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الوعي أو الشعور، من بين هؤلاء الفلاسفة نجد ديكارت، آلان، ويبررون ذلك من خلال:
إن الوعي أو الشعور الداخلي (الاستبطان) يسمح بمعرفة الذات وعلاقتها مع الآخرين، ذلك أن كل ذات تعي ذاتها، وتعرف حقيقة أناها، وما يجري بها من انفعالات،... فالوعي إذن هو المرجع الأساسي المـحدد لـحقيقة الأنا الذاتي، في إثبات وجوده وتفاعله مع الغير، هذه الـحقيقة توصل إليها ديكارت من خلال الكوجيتو:"أنا أفكر، أنا موجود"، فالنفس البشرية أو الذات لا تنقطع عن التفكير (الوعي)، إلا إذا انعدم وجودها،"فالشعور هو الذي به أعلم أنني موجود، وأن الغير موجود، وأن العالم موجود"، كما أنهم بأن الوعي هو الميزة الجوهرية في الذات والإنسان يستطيع أن يتعرف على ذاته عن طريق الاستبطان أو التأمل الذاتي، وهو ملاحظة داخلية لما يجري في النفس، يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"، وهذا ما أكده مؤسس الظواهرية هوسرل الذي يعتقد بأنه يجب أن تكون الذات الشاعرة واعية لذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي، وهذا الوعي يكون بموضوع لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء".
لكن الوعي الذاتي قد يكون مجرد تأمل ميتافيزيقي، واستبطان ذاتي، يعبر عن أوهام لا تعبر عن حقيقة الذات وجوهر تميزها (التضخيم، المبالغة...)، كما أن اعتبار الوعي هو المؤسس للذات ووجودها، قد يكون مجرد خداع، وانطباعات خاطئة، تعبر عن ظلال الحقيقة، وليس جوهرها، وهذا ما أشار إليه أفلاطون في أسطورة الكهف.
على النقيض من الاتجاه الأول يرى كل من سارتر وهيجل إلى أن معرفة الذات تقوم على أساس المغايرة أو التناقض، أي أنها تستلزم وجود الغير كضرورة لوجود الوعي بالذات، ومن حججهم:
الذات تتعرف على نفسها على أنها فردية مستقلة متميزة عن الآخر حسب باركلي عندما تقابل الغير، وذلك من خلال المقارنة بين الذات والغير، حيث تحدد الذات جوانب التشابه والاختلاف بينها وبين الآخر، مما يعني أن وجود الغير قد يكون دافعا أساسيا لضبط وتنمية وعي الذات لذاتها يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"، ومعرفة الأنا وإدراك حقيقة الذات من وجهة نظر هيجل تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويمكن توضيح ذلك من خلال جدلية هيجل الشهيرة المعبرة عن علاقة التناقض التي تجمع السيد بالعبد، فالسيد يرتفع عن الأشياء المادية وعن العمل ويسخر العبد كبيان لسيادته لخدمته، أما العبد فينخرط في العمل ، ويسخر قدراته للتأثير في الأشياء، وتشكيلها وفق إرادته، وبمرور الوقت ينسى السيد طريقة التأثير في الأشياء، ويصير تابعا للعبد، ومن هنا يصير كل واحد منهما يدرك حقيقة نفسه وقيمة ذاته، من هذه الجدلية يظهر كل "أنا" مستقل عن الآخر، ومقابل له وجها لوجه، كلا يسعى لإثبات ذاته أمام الآخر، باعتماد الصراع والتناقض.
لكن الصراع ليس مفهوما أخلاقيا خاصة عندما يتحول إلى عنف، وهذا ما نلاحظه في صراع الحضارات، والنظر إلى الصراع على أنه خلاف وانفصال يؤدي إلى نشر ثقافة اللاتسامح، التنافر الوحشي.
من خلال عرض الموقفين يتبين أن أن التعرف على الأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما أنه يرتبط بالأنا انفراديا، أي أن الأنا يتكون من الآخر، كما أنه شخصي، أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للأنا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت.
حل المشكلة:
إن شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفة الآخرين باعتبارهم كائنات تستحق المعاشرة والاحترام والتزكية؛ ومغايرته لهم، إن كانت ضرورية لتثبيت الذات وتأكيد خصوصياتها، لا تكتمل ولا تزدهر إلا بوجود الآخرين والعمل معهم في ظل التعاضد والمحبة.
استاذة الفلسفة: دراف خديجة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق