الجمعة، 31 يناير 2020

مقالة الحرية لشعبة العلمية

السؤال: هل الإنسان حر أم مقيد؟
طرح المشكلة:
إذا كان الإنسان كائن عاقل تصدر عنه سلوكات متعددة، والتي يتحمل مسؤولية نتائجها، لأنها نابعة من حريته، غير أن هذا الحكم كان محل نقاش وجدل، بل وأكثر من ذلك، فقضية الحرية هي قضية الإنسان في كل زمان ومكان، وتاريخ الإنسان حافل بشواهد كثيرة لاهتمام الإنسان بهذه القضية، واعتبارا لذلك تكون مشكلة الحرية من أكثر المشكلات التي نالت استقطاب المفكرين، وحملتهم على جعلها من مواضيعهم الأساسية خاصة الفلاسفة، فهناك من اعتبر أن الإنسان حر حرية مطلقة، وهناك من اعتبر أنه مقيد وخاضع ومجبر في كل ما يقوم به، الأمر الذي أفرز مشكلة فلسفية صعبة الحل: هل الإنسان حر أم لا؟
محاولة حل المشكلة:
تذهب مجموعة من الفلاسفة إلى أن الإنسان حر في اختيار الأفعال التي يقوم بها، منهم المعتزلة، برغسون، كانط، ... ، وقد اعتمدوا على عدة براهين:
- لو كانت أفعال العباد من صنع الله، لما كان سيحاسبهم عليها يوم القيامة.
- لو كان الله هو الذي خلق أفعال العباد ومنها الكفر، والعصيان اللذان يستحقان العقوبة لكان كالذي لا يرض عما عمل ويغضب مما خلق وهذا لا يقبله عاقل.
- وكذلك نجد أن شعور الإنسان أو إرادته هي العلة الأولى بجميع أفعاله، وهي منحصرة في قرارة نفسه، ويعتبر برغسون الشعور دليل كاف على وجود حرية الإنسان، يقول: "حين أشعر بأفعالي تجري في نفسي متجددة، أشعر في نفس اللحظة بأني حر ".
- التجربة النفسية حسب ديكارت تثبت أن كل فرد يشعر بأنه يتمتع بإرادة لا تحدها حدود، يقول ديكارت:"إن حرية إرادتنا يمكن أن نتعرف عليها بدون أدلة".
- الواجب الأخلاقي حسب كانط دليل على حرية الإنسان لأنه لا قيمة لهذا الواجب إذا انعدمت الحرية، فيجب التسليم بوجودها من أجل تأسيس الأخلاق، يقول كانط:"إذا كان يجب عليك، فأنت إذن تستطيع".
- الوجود الحقيقي حسب سارتر ميزة يمتاز بها الإنسان فقط، وذلك لأنه يتطلب الاختيار والحرية، أي أن الوجود مرادف للحرية في قوله: »حقا فأنا الذي أختار أفعالي«.
لكن هناك عوامل حتمية تتحكم في سلوك الإنسان فهو يخضع لظروف نفسية واجتماعية وبيولوجية...، كما أنهم اعتمدوا في البرهنة على الشعور غير أن هذا الشعور متغير.
يرى نفاة الحرية وهم أنصار الجبر وخاصة الرواقية، الجهمية، ... وأنصار الحتمية بأن الإنسان مقيد ولا يمتلك حرية وقد برهنوا على موقفهم بعدة حجج وهي:
- العالم حسب الرواقية يخضع في حركته وفي نشاطه لضرورة مطلقة، وأن الحوادث الطبيعية والبشرية يتحكم فيها نظام ثابت أو قوانين عامة تظهر في سلسلة من العلل والأسباب، وهذا يعني أن ما يحدث للإنسان مفروض عليه لذا: »عش وفق الطبيعة « .
- الإنسان حسب جهم بن صفوان يخضع لضرورة متعالية وهي القدرة الإلهية (القضاء والقدر)، لأن الله وحده الخالق، ولا يجب أن يكون هناك خالق غير الله، وإن شاركه أحد في ذلك فإنه يشرك به، والأفعال تنسب إلى الإنسان على سبيل المجاز لا حقيقة كما تنسب الأفعال إلى سائر الجمادات.
- سبينوزا فإنه يؤمن بوحدة الوجود (وتعني الفكرة أن الله هو الطبيعة الطابعة والكون هو الطبيعة المطبوعة، أي أن الله هو الذي يطبع كل شيء بطابعه الخاص ويحدد كل شيء حتى الظواهر الطبيعية) ومادام الإنسان موجود داخل هذه الظواهر فهو خاضع لهذه القوة الإلهية.
- وحسب فرويد ودور كايم يرون بأن الإنسان يخضع لحتمية في حياته اليومية فهو مقيد وغير مسؤول عن أفعاله، وهذه الحتميات تتمثل في الحتمية الطبيعية والاجتماعية، النفسية، البيولوجية.
     غير أنها هذا يتناقض مع التكاليف الشرعية المبنية على الوعي والحرية فالإنسان المكلف شرعا هو الإنسان الواعي والحر العاقل، كما أن الإيمان بالجبر يؤدي إلى الاستسلام والخضوع والكسل.
ومن خلال التعارض بين الموقفين نجد رأي ثالث تركيبي هو رأي فرقة الأشاعرة بزعامة الحسن الأشعري ترى أن أفعال الإنسان لله خلقا وإبداعا، وإنها للإنسان كسبا ووقوعا، وبالتالي فإن أفعال العباد تتم بالمشاركة بين الله وعباده وهذا لأنه لا يحتاج إلى معين ولكن العبد يحتاج إلى عون منه، لهذا فالفعل ينسب إلى فاعلين: الله والعبد.
حل المشكلة:
بناء على التحليل السابق نستنتج أن مشكلة الحرية أو بالأحرى الطرح الكلاسيكي للحرية بين الإثبات والنفي لم يصل إلى الحل المتفق عليه، إلا أن نضع الحرية في مكانها الصحيح، فننقذها من النفي الصارم ومن الإثبات المطلق، فالمهم أن تشيد آفاق التحرر أمام الإنسان المعاصر.
استاذة فلسفة :دراف خديجة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 اي مقال تحتاجونها اخبروني