الجمعة، 31 يناير 2020

مقالة العادة والارادة لشعبة الأداب وفلسفة

السؤال:        أيهما أجدى لتحقيق التكيف العادة أم الإرادة؟
المقال:
تصدر عن الإنسان عدة سلوكات وأفعال، منها ما يتم بسهولة ورتابة مثل أفعال الغرائز والعادات، ومنها ما يتم بواسطة الإرادة والقصد، لهذا اهتم العلماء بمسألة السلوكات الإنسانية ووضعوها قيد الدراسة والبحث ومن بين هذه السلوكات التي نالت حظها من الدراسة والاهتمام نجد السلوك التعودي والسلوك الإرادي، اللذان اختلف الفلاسفة حول أيهما أداة مساعدة لتكيف الإنسان مع محيطه، فهناك من رأى أن السلوكات التعودية وما يطبعها من يسر وسهولة تكون أداة مرنة للتكيف، وهناك من رأى أن السلوك الإرادي وما يطبعه من كونه واعي يكون أساس مواجهة الإنسان للمواقف وللتكيف معها، ومن هذا الجدل نطرح التساؤل التالي: هل يتكيف الإنسان مع محيطه من خلال السلوكات التعودية أم من خلال السلوكات الإرادية؟
يرى بعض الفلاسفة  الماديون وعلماء النفس وأنصار النزعة الآلية أن الإنسان في تعامله مع الواقع وفي سعيه إلى إدراك العالم الخارجي يعتمد على العادة باعتبارها سلوكا نمطيا رتيبا يسهل الاندماج السريع، ومن الحجج التي يبررون موقفهم بها: أن التجارب التي قام بها كل من واطسن وبافلوف بينت أن السلوك ينبني على أساس التعود، كما أن الطفل  في مراحله الأولى يعتمد بدرجة كبيرة  على تقليد الكبار، كما أن العادات الاجتماعية تجعل الفرد أكثر انسجاما مع مجتمعه، لأن نماذج السلوك التي يقدمها المجتمع تأتي في شكل قوالب جاهزة تفرض نفسها على الفرد وتوجه سلوكه، وكما أن هذه العادات تجعل المجتمع أكثر ترابطا مثل التعاون والتضامن....، و تساهم العادات الأخلاقية في غرس السلوكات الحميدة كعادة الإحسان إلى الغير، أما العادات الحركية تجعل الإنسان أكثر حيوية من خلال جعل الأعمال سهلة، يقول وليام جيمس:"لولا العادة لقضينا أياما كاملة في القيام بأعمال تافهة"، ومثال ذلك الطفل الذي لم يتعود على الكتابة فنجده يستعمل أغلب عضلات جسمه.
لكن هذا الاتجاه مبالغ في موقفه لأنه ينظر للإنسان نظرة آلية فلا فرق عندها بين الإنسان والآلة، فالإنسان يتميز بالوعي والشعور، وهذه الخاصية تمكنه من تجاوز النمطية التي تأسر السلوك وتحجره وتجعله غير قادر على مسايرة التحولات وينكشف عجزه في التكيف مع المواقف الطارئة، يقول إيمانويل مونيي:"لا يمكن اعتبار الإنسان شيئا أو موضوعا لأنه يتميز بالإرادة والوعي".
وخلاف ذلك يرى بعض الفلاسفة من بينهم سبينوزا أن الإنسان يعتمد في التكيف بالأساس على السلوكات الإرادية، فهي عبارة عن فاعليات متحررة تجسد معقولية الإنسان وقدرته على الابتكار والتجديد، ومن الحجج التي يبررون موقفهم بها: أن ما يتميز به السلوك الإرادي من خصائص ومرحلية منطقية في تركيبه تجعله أداة تخطيط لتجاوز أصعب المواقف التي يواجهها الإنسان، لهذا يقول شارل بلوندال:"إن الإرادة والعقل هما من الهبات الرائعة"، وحجة أخرى تبين أن الواقع متغير، لهذا يحتاج دائما لابتكار حلول جديدة وهذا ما لا نجده في السلوك التعودي، وعلم النفس يكشف لنا أن الطفل يبني شخصيته عن طريق المعارضة خاصة أثناء المراهقة، لهذا تقول هيلين زيمرن:"إن الإرادة هي الفاعل والمحرك في كل الوظائف"، وحجة أخرى هي أن الفعل الإرادي فعل حر ولا يقيد الإنسان هذا ما يجعله أمام خيارات عديدة،  يقول كانط:"إن كنت تريد فإنك تستطيع".
لكن الإرادة بمفردها عاجزة ما لم تدعمها آليات تصبغ عليها الثبات والنظام، ولو قيست نسب استعمال العادة والإرادة لوجدنا أن السلوك التعودي يأتي في الصدارة.
ومن هذا التعارض نجد أن التركيب بينهما يعني التكامل بين العادة والإرادة وكذا التفاعل الوظيفي القائم بين الثوابت والمتغيرات في السلوك البشري، فكما أن الإرادة دور في تكوين العادات نجد أن العادات تعزز الأفعال الإرادية، يقول تيسير شيخ الأرض:"إن الإرادة قضية عادة".
إلى هنا وبالاعتماد على كل معطيات التحليل السابق وكحل للتساؤل المطروح نستنتج في الأخير أن العادة والإرادة فعاليتان أساسيتان للتفاعل وللتكيف مع المحيط وإدراك العالم الخارجي وهما وسيلتان متكاملتان متعاونتان، وعليه فإن الإنسان يحقق تلاؤمه مع محيطه بواسطة العادة والإرادة معا، يقول دولاكروا:"إن الانتباه وإرادة التعلم، وكيفية تصور العمل كل ذلك يؤثر في تكوين العادات"، ويقول تيسير شيخ الأرض:"الإرادة ليست قوية إلا بفضل العادات".
استاذة الفلسفة: دراف خديجة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 اي مقال تحتاجونها اخبروني