الثلاثاء، 25 فبراير 2020

مقالة فلسفية الأخلاق شعبة ٱداب وفلسفة

المطلوب: هل الأخلاق ثابتة أم متغيرة؟
طرح المشكلة:
مما لا شك فيه أن سلوك الإنسان وأفعاله متنوعة، بعضها مبنية على الآلية، وبعضها مبنية على الاختيار، فالمجموعة الأولى لا إرادية، فهاهنا تشبه إلى حد ما سلوك الحيوان، في حين الثانية تختلف عن الأولى لأنها تمتاز بالوعي والاختيار، وكل اختيار يتضمن حكما، وهذا الحكم قد يكون تفضيليا كتفضيل العلم عن الجهل، التعاون عن الأنانية، الصدق عن الكذب، من هذا يتبن لنا أن كل سلوك إنساني يقوم به بحرية وتفكير يفترض أن تكون غايته المتوخاة مفضلة على الغايات الأخرى، وهذا التفضيل آت من استطاعة الإنسان قبول قيم أو رفضها، غير أن معنى القيمة واسع ويشمل عدة مجالات منها القيمة الاقتصادية، الاجتماعية، ...، لكن هنا يقصد بها القيمة الخلقية، فيستحسن  الفرد سلوكا ويستهجن آخر، منتجة بذلك قيمتي الخير والشر، حيث من المتفق عليه ارتباط الأخلاق بقيمتي الخير والشر لكن المختلف فيه بين الفلاسفة طبيعة تلك القيم، فانقسمت إلى من يرى أنها ثابتة ولا تتغير بتغير العوارض والأحوال، بينما هناك من يرى أنها نسبية فترتبط بزمان أو مكان أو أفراد تنسب لهم، وتتغير بتغيرهم، ومن أجل تهذيب هذا الجدال نطرح التساؤلات التالية:
ما طبيعة الأخلاق؟
هل الأخلاق ثابتة أم نسبية؟ أي هل هي عبارة عن مبادئ وقواعد ثابتة أم أنها سلوكات ومعاملات متغيرة؟
أم أن هناك رأي آخر يتجاوزهما؟
محاولة حل المشكلة:
- يرى أنصار المطلقية أن الأخلاق واحدة ومطلقة، فهي صالحة لكل زمان ومكان، مما يجعلها واحدة عند جميع البشر، ومن ثم فهي تقوم على أساس من المبادئ والثوابت العامة التي تحدد قواعد السلوك الكلية، حيث ينطلق أصحاب هذا الرأي من فكرة أن الخير خير والشر شر مهما تبدلت الظروف والأحوال، أي أن الصدق خير والكذب شر والخيانة شر والتعاون خير وهكذا...، فالقيم ثابتة لا تتغير، ويمثل هذا الطرح كل من الاتجاه الديني بزعامة الأشعري وابن حزم الأندلسي، والاتجاه العقلي بزعامة كانط، وفي نفس السياق يذهب إلى ذلك كل من أفلاطون، المعتزلة، الرواقية، حيث يعتبر الأشاعرة أن وحدة الأخلاق راجعة لأنها صادرة عن الدين، بينما يرد العقليون مطلقيتها للأحكام العقلية، وهذا ما تثبته الحجج التالية: فحسب الأشاعرة أن وحدة الأخلاق في قدسيتها، لأن الدين إلزام إلهي مقدس، وكل ما صدر عنه فهو ثابت لا يقبل التغيير؛ وبما أن الدين الإسلامي جاءنا بتعاليم أخلاقية واضحة، تحدد علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقته بربه، فما على الإنسان إلا أن يقتدي بها ليضمن سعادته في الحياة الدنيا والآخرة، حيث يقول الله عز وجل في محكم التنزيل:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون"، وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وبهذا يتضح أن الدين يشكل بعدا أخلاقيا نستند إليه في تقويم الأفعال الخلقية وفق قيم العمل بالخير والانتهاء عن الشر والرذيلة، وهذا ما بينه ابن حزم الأندلسي حين يقول: "ما سماه الله تعالى حسنا فهو حسن، وما سماه الله تعالى قبيحا فهو قبيح، فالشرع هو المكيف للأفعال حسنا أو قبيحا، والحسن ما أمر به الله تعالى، والقبيح ما نهى عنه"، ويساند الجويني بقوله:"فالمعاني بالحسن ما ورد من الشرع بالثناء على فاعله"، حيث أن القيم حسب الأشاعرة لا تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية الخير أو الشر بل الدين هو الذي يسند لها هذه القيم، الأمر الذي يفسر عجز العقل عن التمييز بين الخير والشر، فالخير ما أمر الله به والشر ما نهى الله عنه . فالحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله ، والقبح ما ورد الشرع بذم فاعله ، والحسن والشر يوجبهما الشرع لا العقل، والشرع مثبت للقيمة الخلقية في الأمر والنهي لا مجرد مخبر عنها، وما دور العقل إلا الخضوع لتعاليم الشرع، لأنها صادرة عن إرادة الله المطلقة، ولا اختيار لإرادة الإنسان أمام الإرادة الإلهية، ولا يلزم عنها ظلم للناس كما يعتقد المعتزلة، لأنها صادرة عن إله رحيم وأدرى بالطبيعة البشرية وأرعى لمصالحها، لذلك فالقيم الأخلاقية ثابتة لأنها صادرة من الله تعالى، هذا من جهة أما من جهة أخرى فيثبت العقليون مطلقية القيم الخلقية بالأساس العقلي للأخلاق وهذا ما أكدت عليه المعتزلة؛ حين تذهب إلى القول أن: القيم الأخلاقية موجودة في الأفعال ذاتها، فالأفعال في ذاتها تحمل معنى الحسن والقبح، والعقل هو الذي يميز ذلك؛ حيث يستحسن أفعال لما فيها من حسن، ويستقبح أخرى لما فيها من قبح، ويثبت أيمانويل كانط ذلك بأن العقل هو مصدر القيمة الخلقية، لأنه الوسيلة التي يميز بها بين الخير والشر، فالعقل هو الذي يشرع مختلف القوانين الأخلاقية التي تتصف بكونها مطلقة، لأنها تخضع لقواعد الواجب الأخلاقي وهي التعميم والتي تظهر في قوله:" اِفعلْ كما لو كان على مسلمة فعلك أن ترتفع إلى قانون طبيعي عام"، والتي تعني أن لا يكون السلوك خاصا بحالة معينة أو شخص ما بل أن يكون مبدأ عام أو قانون يتم التوجه حسبه، أما الغائية فيعبر عنها في قوله:" اِفعلْ الفعل بأن تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان، بوصفها دائماً وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة"، فيقوم الفرد بالسلوك دون انتظار غاية أو منفعة خارجة عن السلوك بحد ذاته، أي القيام بالواجب من أجل الواجب، ومثال ذلك الصدق من أجل الصدق، وليس الصدق من أجل كسب ثقة الآخرين، والقاعدة الثالثة فهي استقلال الإرادة التي حددها في قوله:"عمل دائما بحيث تكون إرادتك بوصفك إنسانا هي الإرادة المشرعة الكلية"، فهي كلية وشاملة وتتجاوز المكان والزمان، ويقينية لخلوها من كل منفعة، وغايتها تحمل في ذاتها، ولقد اعتبر كانط الإرادة الخيرة هي الدعامة الأساسية للفعل الأخلاقي لأنها لا تستمد خيريتها من المقاصد التي تحققها، وإنما من ذاتها، ومنطلقها هو الواجب، وعلى ما ذكر سابقا من حجج العقليين وأصحاب الدين فالأخلاق تتميز بالثبات.
لا ننكر صحة ما تقدم له أصحابه هذا الموقف، من دور العقل والدين في إرلا ننكر صحة ما تقدم له أصحابه هذا الموقف، من دور العقل والدين في إرساء دعائم القيم ولكن القول بمطلقية القيم الخلقية لا يفسر من ناحية أن الإنسان في حد ذاته كائن نسبي، كما أن المطلقية ينافيها الواقع حيث توجد الكثير من القيم من وضع الإنسان، والإنسان ثقافته تتغير بتغير الزمان والمكان، ففي كثير من الأحيان نجد أن الخير والشر ينقلب من مجتمع لآخر، هذا بصفة عامة، أما بصفة خاصة فالأخلاق الكانطية أخلاق مثالية تصلح فقط لعالم الملائكة، وفي هذا يقول شوبنهاور في نقده لكانط:"لو سلمنا مع أستاذنا بأن الواجب هو ضرورة الخضوع للقانون نكون قد سلمنا معه بقول بعيد عن المعقولية"، وهناك الكثير من السلوكات الخيرة النابعة من الوجدان والعاطفة تكون أكثر نبلا من السلوكات النابعة من الصرامة العقلية، أما بالنسبة للدين نجده يحمل مرونة تتغير حسب الظروف لأنه فتح مجال للاجتهاد العقلي.
- من جهة أخرى يرى بعض الفلاسفة والمفكرين أن القيم الخلقية نسبية ومتغيرة، بمعنى أنها تتغير من زمان لآخر ومكان لآخر، فنمثل الخير بالنسبة لظرف أو حال معينين، وذلك من منطلق أن الأخلاق سلوكات عملية، تتماشى ما هو كائن عليه في الواقع، وليس ما ينبغي أن يكون عليه السلوك، ويمثله كل من الاتجاه الاجتماعي بزعامة إميل دور كايم وليفي برويل والاتجاه النفعي بزعامة جريمي بنتام، حيث يؤسس دور كايم نسبية الأخلاق على أساس اجتماعي فتتغير الأخلاق بتغير المجتمع، في حين يعتمد بنتام تغير القيم بتغير المنافع الفردية، ويبررون موقفهم بحجج منها حسب دور كايم أن الواقع يثبت تغير الأخلاق من مجتمع لآخر، أي أن المجتمع ينطوي على مجموعة من القواعد الأخلاقية، فإن أمتثل الفرد للقواعد الأخلاقية التي تقول مثلا (لا تكذب)، فقد قام بفعل خير، وإن عصاها فقد قام بفعل شر، فيقول دور كايم في كتابه (قواعد المنهج في علم الاجتماع): "... ليس هناك سوى قوة أخلاقية واحدة تستطيع أن تضع القوانين للناس هي المجتمع"، وهذا يدل على أن المجتمع مصدر القيمة الخلقية من جهة ويثبت تغيرها وعدم ثباتها من جهة أخرى، والفرد لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن مجتمعه، ففيه يتلقى التربية الأخلاقية ولهذا فهو مدين للجماعة بكل شيء، فالواجب الاجتماعي إلزام وضعه المجتمع، وما على الفرد إلا أن يمتثل لهذا الواجب، ويتميز  بالإكراه حسب دور كايم لأن الوقائع الاجتماعية هي مظاهر خارجة عن ذات الفرد وتمتاز بكونها متسامية عن ضمائر الأفراد، وهذا راجع إلى اعتبار "الأخلاق النظرية" مستبعدة بل الأخلاق عادات اجتماعية، يقول دور كايم:"فإن جميع الممارسات الأخلاقية هي عادات اجتماعية"، وينفي دور كايم وجود ضمير فردي، فالفردية وهم ولا وجود لها في الواقع، لأن الفرد يستمد إنسانيته ووجوده من المجتمع، لقوله:"حينما يتكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم فينا"، وهذا ما يؤكده ليفي برويل في قوله:"إن الضمير  الخلقي ليس إلا صدى للضمير الجمعي"، بالإضافة إلى ذلك يثبت أنصار اللذة والمنفعة على حد سواء تغير القيم الخلقية ونسبيتها، بتبيين مذهب اللذة الذي أساسه يكمن في تحقيق أكبر قدر من اللذة المتمثلة في الإقبال على اللذات والنفور من الألم، حيث يقول أريستيب:"اللذة هي الخير الأعظم، وهي مقياس القيم جميعا، هذا صوت الطبيعة فلا الطبيعة خجل ولا حياء"،فاللذة هي صوت الطبيعة والإنسان فضلا عن الكائنات الأخرى ابتداء من الولادة لديهم الميل إلى اللذة في حين أنها تعارض الألم بطبيعتها وبدون تفكير، فالغرائز هي المحرك الأساسي للأفعال الإنسانية، لذلك فاللذة مادية حسية، لذا تتّفق كل نظريات اللذة الكلاسيكية على اعتباره الغاية الأخلاقية المنشودة من وراء الأفعال الأخلاقية، والإنسان بطبيعته يرغب في اللذة ويتجنّب الألم؛ فاللذة هي الكيفية الوحيدة التي تصبح بمقتضاها التجربة الإنسانية ذات قيمة، وبالتالي تكتسي صبغة أخلاقية؛ ومعنى هذا أن الفعل الأخلاقي هو ذلك الفعل الذي يُفضي بالضرورة إلى نتائج سارة، ولا يعني أن اللذة هي الخير الأوحد، بل اللذة هي الغاية القصوى للحياة، والحياة ليست إلا مجموعة أفراد لكل منهم لذّته، وعليه"إشباعها لا تعديل مجراها أو إبطال مفعولها "، لكن اللذة المعدّلة هي التي تمثل طبيعة القيمة الأخلاقية؛ ذلك أنه إذا عجز الإنسان عن تحقيق اللذة تألم، وإذا تألم كان شقيّاً والعكس صحيح، فتحقيق سعادة الإنسان تتوقف على مدى إشباع اللذات، وأما الميزان الذي يتمّ بموجبه تعديل اللذات فهو الآتي: خذ اللذة التي لا يعقبها ألم، واجتنب الألم الذي لا يتبعه شيء من اللذات، وتجنب اللذة التي تحرمك لذة أعظم منها أو يترتب عنها ألم، وتقبل الألم الذي يخلصك من ألم أعظم منه [وهي ما يعرف بتعاليم أبيقور الشهيرة]، وقد امتد هذا التصور إلى العصر الحديث، لكن تمت الاستعاضة عن اللذة بمبدأ شبيه هو المنفعة بوصفه مبدأ يحقق المصلحة الجماعية ولا يقتصر على النوازع الفردية، وبوصفه يقيم مفهوماً للخير على أسس تجريبية علمية وهذا تحت تأثير التطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي الذي ميّز العصور الحديثة، والخير الذي يتحدث عنه اتّجاه المنفعة شيء محسوس قابل للحساب والتقدير الكمي، لذلك يحاول بناء الأخلاق على ما أسماه بحساب اللذات، والشيء المهمّ كمُّ اللذة ومقدارُها وليس كيفها ونوعها ، بحيث يصبح ميزان اللذات والآلام قائماً لصالح اللذة، فتضمن الموازنة بين اللذة والألم لصالح اللذة، ولكن، من جهة أخرى، يُستحسن ألاّ يقتنع المرء بالمفاضلة بين اللذات الكمية الخالصة، وإنما عليه أن يتجاوزها إلى التفرقة بين بعضها والبعض الآخر تفرقة في الكيف، ومن ذلك ضرورة التفريق بين لذات الحسّ ولذات العقل، وذلك من خلال الرفع من مكانة العقل والشعور في مقابل الغريزة، على أن يكون ذلك المبدأ اجتماعياً عاماً، إذ " .. ليست المنفعة سوى المبدأ الأخلاقي الذي يفضي إلى تحقيق أكبر سعادة ممكنة ، فالخير ما هو نافع لنا، وما هو نافع لنا إنما هو الذي يكون في الوقت نفسه نافعاً لغيرنا" إذن الفعل الخلقي لا يكون كذلك إلا إذا حقق أكبر قدر ممكن من اللذات لأكبر عدد من الناس، وهذا معنى فكرة الامتداد عند ‎- الفيلسوفين الإنجليزيين المحدثين جيريمي بنتام وجون ستيوارت مل كمحاولة منهما لتأسيس مذهب المنفعة ليشمل حياة الأفراد الاجتماعية بدلا من النزوع إلى الفردية الأنانية، كذلك أيدت هذا الطرح السفسطائية باعتبار أن الفرد هو مبدأ عام للحقيقة، وبناء على هذا المبدأ اعتبروا أن الخير ما يحقق منفعة ولذة للفرد، والشر ما يحول دون ذلك ، وليست الفضيلة في نظرهم سوى وهم اخترع لتضليل الناس، فالخير هو لذة الانتصار أمام الرغبات والأهواء وإشباعها قدر الإمكان، وتتوقف سعادة الأفراد على قدر ما يحققون من لذات، فإن أخفقوا في تحقيقها شعروا بالآلام وكان ذلك هو الشر، وفي نفس السياق يؤكد الفيلسوف الوجودي سارتر بقوله:"لا يوجد غيري فأنا الذي أقرر الخير واخترع الشر"
 وحسب هذا التصور يجب أن نسعى وراء تحقيق اللذات التي هي مصدر سعادتنا، لكن عدل أبيقور من هذا المعيار في الامتثال للذات البعدية المعنوية، كما أن الأخلاق تتغير من شخص إلى آخر حسب بنتام، لأن الإنسان يميل فطريا إلى ما ينفعه وينفر مما يؤذيه، فالخير هو السعادة والشر هو الألم، وعليه فالطرح الاجتماعي والنفعي يقر بنسبية الأخلاق انطلاقا من تغير معاييرها.

 لا ننكر دور المجتمع في بناء القيم كذلك الطبيعة البشرية، ولكن هذا الموقف بالغ في القول بنسبية الأخلاق وتغيرها، ففي هذا زعزعة للأخلاق برمتها من حيث هي مبادئ وقيم، ومن هنا تضيع هذه الأخيرة لأن الواقع لا يثبت على حال، فحقيقة أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده، والإنسان بطبيعته يحمل ميول ورغبات، غير أن هذا لا ينفي وجود معاني إنسانية مشتركة تؤسس للقيمة الأخلاقية فالصدق خلق إنساني خير حتى وإن أضمره البعض، ولو كانت القيمة الخلقية نسبية لكانت محل صراع وتناقض وجدل وتجاذب وهذا ما يفقدها صرامتها وينزلها إلى حضيض الواقع، هذا من جهة أما من جهة أخرى فمعيار المنفعة ذاتي حتى وإن شمل أكبر قدر من الأفراد ففي جوهره مناقض لتسامي الأخلاق وعلوها.
ومن خلال التعارض بينهما نصل إلى التركيب حيث نجد أن القول بأحد المتناقضين سوف يؤدي في النهاية إلى الكثير من النتائج السلبية، كما أن جمعهما ينفي مبدأ من مبادئ المنطق المتمثل في مبدأ عدم التناقض، الذي فحواه أنه لا يمكن الجمع بين صفتين متناقضتين في نفس الشيء وفي نفس الوقت، لكن هنا لا يتم الجمع بينهما في نفس الوقت بل لدينا مجالين مختلفين، فمن الناحية النظرية مطلقة أما من الناحية العملية التطبيقية نسبية، فالقول بنسبية الأخلاق يبرر اللمسة الإنسانية فيها، والقول بالمطلقية يترتب عنها أن الأخلاق ثابتة لا متغيرة وسابقة في وجودها عن الإنسان، أي الأخلاق تتأسس وفق مبادئ ثابتة كالعقل والدين باعتبار الأول ملكة مشتركة لكن ممارسة تلك المبادئ يتغير حسب الظروف المكانية والزمانية للفرد وللجماعة.
إلى هنا ومن خلال كل ما سبق نستنتج أن الأخلاق من حيث هي مبادئ هي عبارة عن قيم مطلقة، ومن حيث هي سلوكات يقوم بها الإنسان فهي نسبية، أي أن الأخلاق تتميز بالثبات لكن تطبيقها يتميز بالنسبية، مثلا الكذب في الدين الإسلامي رذيلة، ولكن هناك حالات استثنائية كالإصلاح بين المتخاصمين، فرغم الاختلاف الظاهر حول الأسس التي يقوم عليها الفعل الخلقي، إلا أنها تبقى في حقيقة الأمر أسسا متكاملة ومتداخلة في فهمه والحكم عليه، لأننا لا يمكن أن ننكر دور الدين، وعليه هذا الأخير لا يفهم إلا بواسطة العقل، كما أن للمجتمع دور في تأسيس القيم الخلقية دون أن تتعارض هذه القيم مع الطبيعة الإنسانية.
استاذة الفلسفة :دراف خديجة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 اي مقال تحتاجونها اخبروني