الثلاثاء، 25 فبراير 2020

اقوال فلسفية لشعبة العلوم التجريبية

أقوال:
1- الرياضيات:
يقول غوبلو: »الرياضيات مستقلة عن الواقع ولا تشترط مطابقتها له لتكون صحيحة « .
يقول جون ستيوارت ميل: »إن النقط والخطوط والدوائر التي يحملها كل واحد في ذهنه هي مجرد نسخ من النقط والخطوط والدوائر التي عرفها في التجربة « .
يقول ديكارت: »إن الرياضيات صناعة جد دقيقة تنفع في إرضاء النفوس المستطلعة « .
يقول برغسون: »العلم الحديث ابن الرياضيات « .
يقول بوليغان: »إن كثرة الأنظمة في الهندسة دليل على أن الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة... « .
2- العلوم التجريبية والبيولوجية:
التجربة المقياس الوحيد لكل العلوم:
يقول بيكون: »اختبر كل شيء « .
يقول بيكون: »الاختبار أفضل برهان « .
يقول باشلار: »إن عمر العلم يقاس بمدى تطور الوسائل التجريبية المستعملة لاكتسابه « .
ليست التجربة المقياس الوحيد:
يقول برنارد: »إن للملاحظ والمجرب هدفا واحدا مشتركا، وهو إدراك الحوادث وضبطها بالوسائل العلمية الدقيقة « .
الاتجاه الذي يرى أن نتائج العلوم التجريبية هي نتائج مطلقة:
يقول بوانكاري: »العلم حتمي وذلك بالبداهة، وهو يضع الحتمية موضع البديهيات إذ لولاها لما أمكن أن يكون « .
الاتجاه الذي يرى نتائج العلوم التجريبية هي نتائج نسبية:
يقول باشلار: »إن العلم الحديث هو في حقيقته معرفة تقريبية « .
يقول برنارد: »يجب أن نكون حقيقة مقتنعين بأننا لا نمتلك العلاقات الضرورية الموجودة بين الأشياء، إلا بوجه تقريبي كثيرا أو  قليلا، وأن النظريات التي نمتلكها هي أبعد من أن تمثل حقائق ثابتة « . 
الاتجاه الذي يعتبر أنه يمكن تطبيق المنهج التجريبي على البيولوجيا:
يقول كوفيني: »إن سائر أجزاء الجسم الحي مرتبطة فيما بينها فهي لا تستطيع الحركة إلا بقدر ما تتحرك معا، والرغبة في فصل جزء عن الكتلة معناه نقله إلى نظام الذوات الميتة، وتبديل الماهية تبديلا تاما « .
الاتجاه الذي يعتبر أنه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على البيولوجيا:
يقول برنارد: »لابد لعلم البيولوجيا أن يأخذ بالمنهج التجريبي من العلوم الفيزيائية والكيميائية ولكن مع الاحتفاظ بحوادثه الخاصة « .
الحتمية مبدأ مطلق:
يقول لابلاس: »الكون خاضع لنظام ميكانيكي « .
يقول غوبلو: »الكون متسق تجري حوادثه بنظام ثابت « .
يقول لابلاس: »يجب أن نعتبر الحالة الراهنة للكون نتيجة لحالته السابقة وسببا في حالته التي بعد ذلك مباشرة « .
الحتمية ليست مبدأ مطلق:
يقول ديراك: »لا سبيل إلى الدفاع عن مبدأ الحتمية « .
يقول هايزنبرغ : »إن الإلكترون لا يمكن تحديد موقعه وسرعته في آن واحد « .
الفرضية خطوة ضرورية في المنهج التجريبي:
يقول بيكون: »الاختبار أفضل برهان « .
يقول بيكون: »اختبر كل شيء « .
يقول ماجندي: »إن الملاحظة التي يلاحظها الباحث ملاحظة جيدة تغنيه عن سائر الأفكار « .
يقول نيوتن: »إنني أبرهن ولا أفترض « .
الفرضية غير ضرورية في المنهج التجريبي:
يقول بوانكاري: »الملاحظة والتجربة لا تكفيان في إنشاء العلم ومن يقتصر عليهما يجهل الصفة الأساسية للعلم « .
يقول برنار: »الفرضية هي نقطة الانطلاق الضرورية لكل استدلال تجريبي « .
يقول برنار: »التجريب من دون الفرضية يؤدي إلى المخاطرة « .
3- العلوم الإنسانية:
صعوبة تطبيق المنهج في العلوم الإنسانية:
يقول مونتاي:"لا أحد يعرف هل أنت جبان أو طاغية إلا أنت، فالآخرون لا يرونك أبدا"
يقول بياجيه:"إن وضعية علوم الإنسان أشد تعقيدا لكون الذات التي تلاحظ ... قد يلحقها تغيير مصدره الظواهر التي تتم ملاحظتها
"<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5006846492783224"
     crossorigin="anonymous"></script>
<ins class="adsbygoogle"
     style="display:block; text-align:center;"
     data-ad-layout="in-article"
     data-ad-format="fluid"
     data-ad-client="ca-pub-5006846492783224"
     data-ad-slot="9252132548"></ins>
<script>
     (adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
</script>
يقول جون ستيوارت ميل:"إن الظواهر المعقدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب متداخلة ومركبة، لا تصلح أن تكون موضوعا حقيقيا للاستقراء العلمي المبني على الملاحظة والتجربة"
يقول أحمد بدر:"من  الصعب أن نكون موضوعيين في مجال يمثل الجانب الذاتي من الحياة ...".
إمكانية التطبيق وتجاوز العوائق:
يقول دوركايم:"لست مجبرا على استخدام اللغة الفرنسية كأداة للتخاطب مع أبناء وطني، ولست مضطرا إلى استخدام النقود الرسمية، ولكني لا أستطيع إلا أن أتكلم هذه اللغة وأن استخدم هذه النقود، ولو حاولت التخلص من هذه الضرورة لباءت محاولتي بالفشل"
يقول دور كايم:"يجب أن نتعامل مع الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء"
يقول ابن خلدون:"ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعة وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى يتبين صدقه من كذبه"
يقول واطسن:"علم النفس كما يراه السلوكي هو شعبة تجريبية موضوعية مستخلصة من العلم الطبيعي وهدفه النظري هو التنبؤ بالسلوك وضبطه"
5- في الشعور بالأنا والشعور بالغير:
معرفة الذات تتوقف على الشعور:
يقول سقراط:"اعرف نفسك بنفسك"
يقول غسدروف:"وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، اسمه الهو في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"
يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"
لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء"
معرفة الذات تتوقف على الغير:
يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"
يقول سارتر:"أنا في حاجة لتأمل الآخر حتى أكون أنا"
6- الحرية والمسؤولية:
يقول برغسون: "حين أشعر بأفعالي تجري في نفسي متجددة، أشعر في نفس اللحظة بأني حر "
يقول سارتر: »حقا فأنا الذي أختار أفعالي«.
يقول سارتر:"إن الناس واهمون إذ يعتقدون في الحرية وهم يجهلون الأسباب المتحكمة فيهم"
حكمة يونانية"ارتكاب الجريمة أمر إنساني لكن المثابرة عليها أمر شيطاني"
يقول أفلاطون:"القانون حكيم لكن البشر ليسوا بحكماء"
يقول لوك:"عندما ينتهي القانون يبدأ الطغيان"
حكمة"الفقر أبو الجرائم"
يقول هوميروس:"ليس ثمة دواء للشر بعد أن يرتكب"
يقول فيري:"الإجرام ثمرة ظروف اجتماعية"
يقول هيجل:"إن العنف الذي يسلط على المجرم هو تجسيد لإرادته"
استاذة الفلسفة :دراف خديجة

مقالة فلسفية الأخلاق شعبة ٱداب وفلسفة

المطلوب: هل الأخلاق ثابتة أم متغيرة؟
طرح المشكلة:
مما لا شك فيه أن سلوك الإنسان وأفعاله متنوعة، بعضها مبنية على الآلية، وبعضها مبنية على الاختيار، فالمجموعة الأولى لا إرادية، فهاهنا تشبه إلى حد ما سلوك الحيوان، في حين الثانية تختلف عن الأولى لأنها تمتاز بالوعي والاختيار، وكل اختيار يتضمن حكما، وهذا الحكم قد يكون تفضيليا كتفضيل العلم عن الجهل، التعاون عن الأنانية، الصدق عن الكذب، من هذا يتبن لنا أن كل سلوك إنساني يقوم به بحرية وتفكير يفترض أن تكون غايته المتوخاة مفضلة على الغايات الأخرى، وهذا التفضيل آت من استطاعة الإنسان قبول قيم أو رفضها، غير أن معنى القيمة واسع ويشمل عدة مجالات منها القيمة الاقتصادية، الاجتماعية، ...، لكن هنا يقصد بها القيمة الخلقية، فيستحسن  الفرد سلوكا ويستهجن آخر، منتجة بذلك قيمتي الخير والشر، حيث من المتفق عليه ارتباط الأخلاق بقيمتي الخير والشر لكن المختلف فيه بين الفلاسفة طبيعة تلك القيم، فانقسمت إلى من يرى أنها ثابتة ولا تتغير بتغير العوارض والأحوال، بينما هناك من يرى أنها نسبية فترتبط بزمان أو مكان أو أفراد تنسب لهم، وتتغير بتغيرهم، ومن أجل تهذيب هذا الجدال نطرح التساؤلات التالية:
ما طبيعة الأخلاق؟
هل الأخلاق ثابتة أم نسبية؟ أي هل هي عبارة عن مبادئ وقواعد ثابتة أم أنها سلوكات ومعاملات متغيرة؟
أم أن هناك رأي آخر يتجاوزهما؟
محاولة حل المشكلة:
- يرى أنصار المطلقية أن الأخلاق واحدة ومطلقة، فهي صالحة لكل زمان ومكان، مما يجعلها واحدة عند جميع البشر، ومن ثم فهي تقوم على أساس من المبادئ والثوابت العامة التي تحدد قواعد السلوك الكلية، حيث ينطلق أصحاب هذا الرأي من فكرة أن الخير خير والشر شر مهما تبدلت الظروف والأحوال، أي أن الصدق خير والكذب شر والخيانة شر والتعاون خير وهكذا...، فالقيم ثابتة لا تتغير، ويمثل هذا الطرح كل من الاتجاه الديني بزعامة الأشعري وابن حزم الأندلسي، والاتجاه العقلي بزعامة كانط، وفي نفس السياق يذهب إلى ذلك كل من أفلاطون، المعتزلة، الرواقية، حيث يعتبر الأشاعرة أن وحدة الأخلاق راجعة لأنها صادرة عن الدين، بينما يرد العقليون مطلقيتها للأحكام العقلية، وهذا ما تثبته الحجج التالية: فحسب الأشاعرة أن وحدة الأخلاق في قدسيتها، لأن الدين إلزام إلهي مقدس، وكل ما صدر عنه فهو ثابت لا يقبل التغيير؛ وبما أن الدين الإسلامي جاءنا بتعاليم أخلاقية واضحة، تحدد علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقته بربه، فما على الإنسان إلا أن يقتدي بها ليضمن سعادته في الحياة الدنيا والآخرة، حيث يقول الله عز وجل في محكم التنزيل:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون"، وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وبهذا يتضح أن الدين يشكل بعدا أخلاقيا نستند إليه في تقويم الأفعال الخلقية وفق قيم العمل بالخير والانتهاء عن الشر والرذيلة، وهذا ما بينه ابن حزم الأندلسي حين يقول: "ما سماه الله تعالى حسنا فهو حسن، وما سماه الله تعالى قبيحا فهو قبيح، فالشرع هو المكيف للأفعال حسنا أو قبيحا، والحسن ما أمر به الله تعالى، والقبيح ما نهى عنه"، ويساند الجويني بقوله:"فالمعاني بالحسن ما ورد من الشرع بالثناء على فاعله"، حيث أن القيم حسب الأشاعرة لا تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية الخير أو الشر بل الدين هو الذي يسند لها هذه القيم، الأمر الذي يفسر عجز العقل عن التمييز بين الخير والشر، فالخير ما أمر الله به والشر ما نهى الله عنه . فالحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله ، والقبح ما ورد الشرع بذم فاعله ، والحسن والشر يوجبهما الشرع لا العقل، والشرع مثبت للقيمة الخلقية في الأمر والنهي لا مجرد مخبر عنها، وما دور العقل إلا الخضوع لتعاليم الشرع، لأنها صادرة عن إرادة الله المطلقة، ولا اختيار لإرادة الإنسان أمام الإرادة الإلهية، ولا يلزم عنها ظلم للناس كما يعتقد المعتزلة، لأنها صادرة عن إله رحيم وأدرى بالطبيعة البشرية وأرعى لمصالحها، لذلك فالقيم الأخلاقية ثابتة لأنها صادرة من الله تعالى، هذا من جهة أما من جهة أخرى فيثبت العقليون مطلقية القيم الخلقية بالأساس العقلي للأخلاق وهذا ما أكدت عليه المعتزلة؛ حين تذهب إلى القول أن: القيم الأخلاقية موجودة في الأفعال ذاتها، فالأفعال في ذاتها تحمل معنى الحسن والقبح، والعقل هو الذي يميز ذلك؛ حيث يستحسن أفعال لما فيها من حسن، ويستقبح أخرى لما فيها من قبح، ويثبت أيمانويل كانط ذلك بأن العقل هو مصدر القيمة الخلقية، لأنه الوسيلة التي يميز بها بين الخير والشر، فالعقل هو الذي يشرع مختلف القوانين الأخلاقية التي تتصف بكونها مطلقة، لأنها تخضع لقواعد الواجب الأخلاقي وهي التعميم والتي تظهر في قوله:" اِفعلْ كما لو كان على مسلمة فعلك أن ترتفع إلى قانون طبيعي عام"، والتي تعني أن لا يكون السلوك خاصا بحالة معينة أو شخص ما بل أن يكون مبدأ عام أو قانون يتم التوجه حسبه، أما الغائية فيعبر عنها في قوله:" اِفعلْ الفعل بأن تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان، بوصفها دائماً وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة"، فيقوم الفرد بالسلوك دون انتظار غاية أو منفعة خارجة عن السلوك بحد ذاته، أي القيام بالواجب من أجل الواجب، ومثال ذلك الصدق من أجل الصدق، وليس الصدق من أجل كسب ثقة الآخرين، والقاعدة الثالثة فهي استقلال الإرادة التي حددها في قوله:"عمل دائما بحيث تكون إرادتك بوصفك إنسانا هي الإرادة المشرعة الكلية"، فهي كلية وشاملة وتتجاوز المكان والزمان، ويقينية لخلوها من كل منفعة، وغايتها تحمل في ذاتها، ولقد اعتبر كانط الإرادة الخيرة هي الدعامة الأساسية للفعل الأخلاقي لأنها لا تستمد خيريتها من المقاصد التي تحققها، وإنما من ذاتها، ومنطلقها هو الواجب، وعلى ما ذكر سابقا من حجج العقليين وأصحاب الدين فالأخلاق تتميز بالثبات.
لا ننكر صحة ما تقدم له أصحابه هذا الموقف، من دور العقل والدين في إرلا ننكر صحة ما تقدم له أصحابه هذا الموقف، من دور العقل والدين في إرساء دعائم القيم ولكن القول بمطلقية القيم الخلقية لا يفسر من ناحية أن الإنسان في حد ذاته كائن نسبي، كما أن المطلقية ينافيها الواقع حيث توجد الكثير من القيم من وضع الإنسان، والإنسان ثقافته تتغير بتغير الزمان والمكان، ففي كثير من الأحيان نجد أن الخير والشر ينقلب من مجتمع لآخر، هذا بصفة عامة، أما بصفة خاصة فالأخلاق الكانطية أخلاق مثالية تصلح فقط لعالم الملائكة، وفي هذا يقول شوبنهاور في نقده لكانط:"لو سلمنا مع أستاذنا بأن الواجب هو ضرورة الخضوع للقانون نكون قد سلمنا معه بقول بعيد عن المعقولية"، وهناك الكثير من السلوكات الخيرة النابعة من الوجدان والعاطفة تكون أكثر نبلا من السلوكات النابعة من الصرامة العقلية، أما بالنسبة للدين نجده يحمل مرونة تتغير حسب الظروف لأنه فتح مجال للاجتهاد العقلي.
- من جهة أخرى يرى بعض الفلاسفة والمفكرين أن القيم الخلقية نسبية ومتغيرة، بمعنى أنها تتغير من زمان لآخر ومكان لآخر، فنمثل الخير بالنسبة لظرف أو حال معينين، وذلك من منطلق أن الأخلاق سلوكات عملية، تتماشى ما هو كائن عليه في الواقع، وليس ما ينبغي أن يكون عليه السلوك، ويمثله كل من الاتجاه الاجتماعي بزعامة إميل دور كايم وليفي برويل والاتجاه النفعي بزعامة جريمي بنتام، حيث يؤسس دور كايم نسبية الأخلاق على أساس اجتماعي فتتغير الأخلاق بتغير المجتمع، في حين يعتمد بنتام تغير القيم بتغير المنافع الفردية، ويبررون موقفهم بحجج منها حسب دور كايم أن الواقع يثبت تغير الأخلاق من مجتمع لآخر، أي أن المجتمع ينطوي على مجموعة من القواعد الأخلاقية، فإن أمتثل الفرد للقواعد الأخلاقية التي تقول مثلا (لا تكذب)، فقد قام بفعل خير، وإن عصاها فقد قام بفعل شر، فيقول دور كايم في كتابه (قواعد المنهج في علم الاجتماع): "... ليس هناك سوى قوة أخلاقية واحدة تستطيع أن تضع القوانين للناس هي المجتمع"، وهذا يدل على أن المجتمع مصدر القيمة الخلقية من جهة ويثبت تغيرها وعدم ثباتها من جهة أخرى، والفرد لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن مجتمعه، ففيه يتلقى التربية الأخلاقية ولهذا فهو مدين للجماعة بكل شيء، فالواجب الاجتماعي إلزام وضعه المجتمع، وما على الفرد إلا أن يمتثل لهذا الواجب، ويتميز  بالإكراه حسب دور كايم لأن الوقائع الاجتماعية هي مظاهر خارجة عن ذات الفرد وتمتاز بكونها متسامية عن ضمائر الأفراد، وهذا راجع إلى اعتبار "الأخلاق النظرية" مستبعدة بل الأخلاق عادات اجتماعية، يقول دور كايم:"فإن جميع الممارسات الأخلاقية هي عادات اجتماعية"، وينفي دور كايم وجود ضمير فردي، فالفردية وهم ولا وجود لها في الواقع، لأن الفرد يستمد إنسانيته ووجوده من المجتمع، لقوله:"حينما يتكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم فينا"، وهذا ما يؤكده ليفي برويل في قوله:"إن الضمير  الخلقي ليس إلا صدى للضمير الجمعي"، بالإضافة إلى ذلك يثبت أنصار اللذة والمنفعة على حد سواء تغير القيم الخلقية ونسبيتها، بتبيين مذهب اللذة الذي أساسه يكمن في تحقيق أكبر قدر من اللذة المتمثلة في الإقبال على اللذات والنفور من الألم، حيث يقول أريستيب:"اللذة هي الخير الأعظم، وهي مقياس القيم جميعا، هذا صوت الطبيعة فلا الطبيعة خجل ولا حياء"،فاللذة هي صوت الطبيعة والإنسان فضلا عن الكائنات الأخرى ابتداء من الولادة لديهم الميل إلى اللذة في حين أنها تعارض الألم بطبيعتها وبدون تفكير، فالغرائز هي المحرك الأساسي للأفعال الإنسانية، لذلك فاللذة مادية حسية، لذا تتّفق كل نظريات اللذة الكلاسيكية على اعتباره الغاية الأخلاقية المنشودة من وراء الأفعال الأخلاقية، والإنسان بطبيعته يرغب في اللذة ويتجنّب الألم؛ فاللذة هي الكيفية الوحيدة التي تصبح بمقتضاها التجربة الإنسانية ذات قيمة، وبالتالي تكتسي صبغة أخلاقية؛ ومعنى هذا أن الفعل الأخلاقي هو ذلك الفعل الذي يُفضي بالضرورة إلى نتائج سارة، ولا يعني أن اللذة هي الخير الأوحد، بل اللذة هي الغاية القصوى للحياة، والحياة ليست إلا مجموعة أفراد لكل منهم لذّته، وعليه"إشباعها لا تعديل مجراها أو إبطال مفعولها "، لكن اللذة المعدّلة هي التي تمثل طبيعة القيمة الأخلاقية؛ ذلك أنه إذا عجز الإنسان عن تحقيق اللذة تألم، وإذا تألم كان شقيّاً والعكس صحيح، فتحقيق سعادة الإنسان تتوقف على مدى إشباع اللذات، وأما الميزان الذي يتمّ بموجبه تعديل اللذات فهو الآتي: خذ اللذة التي لا يعقبها ألم، واجتنب الألم الذي لا يتبعه شيء من اللذات، وتجنب اللذة التي تحرمك لذة أعظم منها أو يترتب عنها ألم، وتقبل الألم الذي يخلصك من ألم أعظم منه [وهي ما يعرف بتعاليم أبيقور الشهيرة]، وقد امتد هذا التصور إلى العصر الحديث، لكن تمت الاستعاضة عن اللذة بمبدأ شبيه هو المنفعة بوصفه مبدأ يحقق المصلحة الجماعية ولا يقتصر على النوازع الفردية، وبوصفه يقيم مفهوماً للخير على أسس تجريبية علمية وهذا تحت تأثير التطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي الذي ميّز العصور الحديثة، والخير الذي يتحدث عنه اتّجاه المنفعة شيء محسوس قابل للحساب والتقدير الكمي، لذلك يحاول بناء الأخلاق على ما أسماه بحساب اللذات، والشيء المهمّ كمُّ اللذة ومقدارُها وليس كيفها ونوعها ، بحيث يصبح ميزان اللذات والآلام قائماً لصالح اللذة، فتضمن الموازنة بين اللذة والألم لصالح اللذة، ولكن، من جهة أخرى، يُستحسن ألاّ يقتنع المرء بالمفاضلة بين اللذات الكمية الخالصة، وإنما عليه أن يتجاوزها إلى التفرقة بين بعضها والبعض الآخر تفرقة في الكيف، ومن ذلك ضرورة التفريق بين لذات الحسّ ولذات العقل، وذلك من خلال الرفع من مكانة العقل والشعور في مقابل الغريزة، على أن يكون ذلك المبدأ اجتماعياً عاماً، إذ " .. ليست المنفعة سوى المبدأ الأخلاقي الذي يفضي إلى تحقيق أكبر سعادة ممكنة ، فالخير ما هو نافع لنا، وما هو نافع لنا إنما هو الذي يكون في الوقت نفسه نافعاً لغيرنا" إذن الفعل الخلقي لا يكون كذلك إلا إذا حقق أكبر قدر ممكن من اللذات لأكبر عدد من الناس، وهذا معنى فكرة الامتداد عند ‎- الفيلسوفين الإنجليزيين المحدثين جيريمي بنتام وجون ستيوارت مل كمحاولة منهما لتأسيس مذهب المنفعة ليشمل حياة الأفراد الاجتماعية بدلا من النزوع إلى الفردية الأنانية، كذلك أيدت هذا الطرح السفسطائية باعتبار أن الفرد هو مبدأ عام للحقيقة، وبناء على هذا المبدأ اعتبروا أن الخير ما يحقق منفعة ولذة للفرد، والشر ما يحول دون ذلك ، وليست الفضيلة في نظرهم سوى وهم اخترع لتضليل الناس، فالخير هو لذة الانتصار أمام الرغبات والأهواء وإشباعها قدر الإمكان، وتتوقف سعادة الأفراد على قدر ما يحققون من لذات، فإن أخفقوا في تحقيقها شعروا بالآلام وكان ذلك هو الشر، وفي نفس السياق يؤكد الفيلسوف الوجودي سارتر بقوله:"لا يوجد غيري فأنا الذي أقرر الخير واخترع الشر"
 وحسب هذا التصور يجب أن نسعى وراء تحقيق اللذات التي هي مصدر سعادتنا، لكن عدل أبيقور من هذا المعيار في الامتثال للذات البعدية المعنوية، كما أن الأخلاق تتغير من شخص إلى آخر حسب بنتام، لأن الإنسان يميل فطريا إلى ما ينفعه وينفر مما يؤذيه، فالخير هو السعادة والشر هو الألم، وعليه فالطرح الاجتماعي والنفعي يقر بنسبية الأخلاق انطلاقا من تغير معاييرها.

 لا ننكر دور المجتمع في بناء القيم كذلك الطبيعة البشرية، ولكن هذا الموقف بالغ في القول بنسبية الأخلاق وتغيرها، ففي هذا زعزعة للأخلاق برمتها من حيث هي مبادئ وقيم، ومن هنا تضيع هذه الأخيرة لأن الواقع لا يثبت على حال، فحقيقة أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده، والإنسان بطبيعته يحمل ميول ورغبات، غير أن هذا لا ينفي وجود معاني إنسانية مشتركة تؤسس للقيمة الأخلاقية فالصدق خلق إنساني خير حتى وإن أضمره البعض، ولو كانت القيمة الخلقية نسبية لكانت محل صراع وتناقض وجدل وتجاذب وهذا ما يفقدها صرامتها وينزلها إلى حضيض الواقع، هذا من جهة أما من جهة أخرى فمعيار المنفعة ذاتي حتى وإن شمل أكبر قدر من الأفراد ففي جوهره مناقض لتسامي الأخلاق وعلوها.
ومن خلال التعارض بينهما نصل إلى التركيب حيث نجد أن القول بأحد المتناقضين سوف يؤدي في النهاية إلى الكثير من النتائج السلبية، كما أن جمعهما ينفي مبدأ من مبادئ المنطق المتمثل في مبدأ عدم التناقض، الذي فحواه أنه لا يمكن الجمع بين صفتين متناقضتين في نفس الشيء وفي نفس الوقت، لكن هنا لا يتم الجمع بينهما في نفس الوقت بل لدينا مجالين مختلفين، فمن الناحية النظرية مطلقة أما من الناحية العملية التطبيقية نسبية، فالقول بنسبية الأخلاق يبرر اللمسة الإنسانية فيها، والقول بالمطلقية يترتب عنها أن الأخلاق ثابتة لا متغيرة وسابقة في وجودها عن الإنسان، أي الأخلاق تتأسس وفق مبادئ ثابتة كالعقل والدين باعتبار الأول ملكة مشتركة لكن ممارسة تلك المبادئ يتغير حسب الظروف المكانية والزمانية للفرد وللجماعة.
إلى هنا ومن خلال كل ما سبق نستنتج أن الأخلاق من حيث هي مبادئ هي عبارة عن قيم مطلقة، ومن حيث هي سلوكات يقوم بها الإنسان فهي نسبية، أي أن الأخلاق تتميز بالثبات لكن تطبيقها يتميز بالنسبية، مثلا الكذب في الدين الإسلامي رذيلة، ولكن هناك حالات استثنائية كالإصلاح بين المتخاصمين، فرغم الاختلاف الظاهر حول الأسس التي يقوم عليها الفعل الخلقي، إلا أنها تبقى في حقيقة الأمر أسسا متكاملة ومتداخلة في فهمه والحكم عليه، لأننا لا يمكن أن ننكر دور الدين، وعليه هذا الأخير لا يفهم إلا بواسطة العقل، كما أن للمجتمع دور في تأسيس القيم الخلقية دون أن تتعارض هذه القيم مع الطبيعة الإنسانية.
استاذة الفلسفة :دراف خديجة

الأربعاء، 5 فبراير 2020

مقالة معرفة ذات بين الشعور بالأنا والشعور بالغير

السؤال: هل معرفة الذات متوقفة على ذاتها أم على الغير؟ 
طرح المشكلة:
   إن التفاعل الاجتماعي، يقتضي ضرورة تشكيل نسيج من العلاقات بين الأفراد، تربطه بهم علاقة التأثير والتأثر، التجاذب والتنافر... وكل يسعى للتعبير عن ذاته، وإثبات وجوده، وتمييزها عن الغير، غير أن المشكلة التي أرقت الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها، وذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين، الأولى تعتقد أن الأنا يتشكل بمفرده عبر الشعور، والنزعة الثانية تؤكد على وجوب مشاركة الآخر، أي الغير أضحت أمرا ضروريا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفته لغيره؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو؟
محاولة حل المشكلة:
يذهب مجموعة من الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الوعي أو الشعور، من بين هؤلاء الفلاسفة نجد ديكارت، آلان، ويبررون ذلك من خلال:
إن الوعي أو الشعور الداخلي (الاستبطان) يسمح بمعرفة الذات وعلاقتها مع الآخرين، ذلك أن كل ذات تعي ذاتها، وتعرف حقيقة أناها، وما يجري بها من انفعالات،... فالوعي إذن هو المرجع الأساسي المـحدد لـحقيقة الأنا الذاتي، في إثبات وجوده وتفاعله مع الغير، هذه الـحقيقة توصل إليها ديكارت من خلال الكوجيتو:"أنا أفكر، أنا موجود"، فالنفس البشرية أو الذات لا تنقطع عن التفكير (الوعي)، إلا إذا انعدم وجودها،"فالشعور هو الذي به أعلم أنني موجود، وأن الغير موجود، وأن العالم موجود"، كما أنهم بأن الوعي هو الميزة الجوهرية في الذات والإنسان يستطيع أن يتعرف على ذاته عن طريق الاستبطان أو التأمل الذاتي، وهو ملاحظة داخلية لما يجري في النفس، يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"، وهذا ما أكده مؤسس الظواهرية هوسرل الذي يعتقد بأنه يجب أن تكون الذات الشاعرة واعية لذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي، وهذا الوعي يكون بموضوع لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء".
لكن الوعي الذاتي قد يكون مجرد تأمل ميتافيزيقي، واستبطان ذاتي، يعبر عن أوهام لا تعبر عن حقيقة الذات وجوهر تميزها (التضخيم، المبالغة...)، كما أن اعتبار الوعي هو المؤسس للذات ووجودها، قد يكون مجرد خداع، وانطباعات خاطئة، تعبر عن ظلال الحقيقة، وليس جوهرها، وهذا ما أشار إليه أفلاطون في أسطورة الكهف.
على النقيض من الاتجاه الأول يرى كل من سارتر وهيجل إلى أن معرفة الذات تقوم على أساس المغايرة أو التناقض، أي أنها تستلزم وجود الغير كضرورة لوجود الوعي بالذات، ومن حججهم:
الذات تتعرف على نفسها على أنها فردية مستقلة متميزة عن الآخر حسب باركلي عندما تقابل الغير، وذلك من خلال المقارنة بين الذات والغير، حيث تحدد الذات جوانب التشابه والاختلاف بينها وبين الآخر، مما يعني أن وجود الغير قد يكون دافعا أساسيا لضبط وتنمية وعي الذات لذاتها يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"، ومعرفة الأنا وإدراك حقيقة الذات من وجهة نظر هيجل تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويمكن توضيح ذلك من خلال جدلية هيجل الشهيرة المعبرة عن علاقة التناقض التي تجمع السيد بالعبد، فالسيد يرتفع عن الأشياء المادية وعن العمل ويسخر العبد كبيان لسيادته لخدمته، أما العبد فينخرط في العمل ، ويسخر قدراته للتأثير في الأشياء، وتشكيلها وفق إرادته، وبمرور الوقت ينسى السيد طريقة التأثير في الأشياء، ويصير تابعا للعبد، ومن هنا يصير كل واحد منهما يدرك حقيقة نفسه وقيمة ذاته، من هذه الجدلية يظهر كل "أنا" مستقل عن الآخر، ومقابل له وجها لوجه، كلا يسعى لإثبات ذاته أمام الآخر، باعتماد الصراع والتناقض.
لكن الصراع ليس مفهوما أخلاقيا خاصة عندما يتحول إلى عنف، وهذا ما نلاحظه في صراع الحضارات، والنظر إلى الصراع على أنه خلاف وانفصال يؤدي إلى نشر ثقافة اللاتسامح، التنافر الوحشي.
   من خلال عرض الموقفين يتبين أن أن التعرف على الأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما أنه يرتبط بالأنا انفراديا، أي أن الأنا يتكون من الآخر، كما أنه شخصي، أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للأنا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت.
حل المشكلة:
   إن شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفة الآخرين باعتبارهم كائنات تستحق المعاشرة والاحترام والتزكية؛ ومغايرته لهم، إن كانت ضرورية لتثبيت الذات وتأكيد خصوصياتها، لا تكتمل ولا تزدهر إلا بوجود الآخرين والعمل معهم في ظل التعاضد والمحبة.السؤال: هل معرفة الذات متوقفة على ذاتها أم على الغير؟ 
طرح المشكلة:
   إن التفاعل الاجتماعي، يقتضي ضرورة تشكيل نسيج من العلاقات بين الأفراد، تربطه بهم علاقة التأثير والتأثر، التجاذب والتنافر... وكل يسعى للتعبير عن ذاته، وإثبات وجوده، وتمييزها عن الغير، غير أن المشكلة التي أرقت الإنسان هي محاولة التعرف على الذات في مختلف الصفات التي تخصها، وذلك لم يكن في حال من الاتفاق بين الفلاسفة الذين انقسموا إلى نزعتين، الأولى تعتقد أن الأنا يتشكل بمفرده عبر الشعور، والنزعة الثانية تؤكد على وجوب مشاركة الآخر، أي الغير أضحت أمرا ضروريا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفته لغيره؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو؟
محاولة حل المشكلة:
يذهب مجموعة من الفلاسفة إلى الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الوعي أو الشعور، من بين هؤلاء الفلاسفة نجد ديكارت، آلان، ويبررون ذلك من خلال:
إن الوعي أو الشعور الداخلي (الاستبطان) يسمح بمعرفة الذات وعلاقتها مع الآخرين، ذلك أن كل ذات تعي ذاتها، وتعرف حقيقة أناها، وما يجري بها من انفعالات،... فالوعي إذن هو المرجع الأساسي المـحدد لـحقيقة الأنا الذاتي، في إثبات وجوده وتفاعله مع الغير، هذه الـحقيقة توصل إليها ديكارت من خلال الكوجيتو:"أنا أفكر، أنا موجود"، فالنفس البشرية أو الذات لا تنقطع عن التفكير (الوعي)، إلا إذا انعدم وجودها،"فالشعور هو الذي به أعلم أنني موجود، وأن الغير موجود، وأن العالم موجود"، كما أنهم بأن الوعي هو الميزة الجوهرية في الذات والإنسان يستطيع أن يتعرف على ذاته عن طريق الاستبطان أو التأمل الذاتي، وهو ملاحظة داخلية لما يجري في النفس، يقول مين دوبيران:"قبل أي شعور بالشيء، فلابد من أن للذات وجود"، وهذا ما أكده مؤسس الظواهرية هوسرل الذي يعتقد بأنه يجب أن تكون الذات الشاعرة واعية لذاتها حتى يمكنها أن تعي الأشياء والعالم الخارجي، وهذا الوعي يكون بموضوع لقوله:"أن الشعور هو دائما شعور بشيء".
لكن الوعي الذاتي قد يكون مجرد تأمل ميتافيزيقي، واستبطان ذاتي، يعبر عن أوهام لا تعبر عن حقيقة الذات وجوهر تميزها (التضخيم، المبالغة...)، كما أن اعتبار الوعي هو المؤسس للذات ووجودها، قد يكون مجرد خداع، وانطباعات خاطئة، تعبر عن ظلال الحقيقة، وليس جوهرها، وهذا ما أشار إليه أفلاطون في أسطورة الكهف.
على النقيض من الاتجاه الأول يرى كل من سارتر وهيجل إلى أن معرفة الذات تقوم على أساس المغايرة أو التناقض، أي أنها تستلزم وجود الغير كضرورة لوجود الوعي بالذات، ومن حججهم:
الذات تتعرف على نفسها على أنها فردية مستقلة متميزة عن الآخر حسب باركلي عندما تقابل الغير، وذلك من خلال المقارنة بين الذات والغير، حيث تحدد الذات جوانب التشابه والاختلاف بينها وبين الآخر، مما يعني أن وجود الغير قد يكون دافعا أساسيا لضبط وتنمية وعي الذات لذاتها يقول سارتر:"إن الآخر ليس شرط فقط لوجودي بل هو أيضا شرط للمعرفة التي أكونها عن نفسي"، ومعرفة الأنا وإدراك حقيقة الذات من وجهة نظر هيجل تقوم على العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر، ويمكن توضيح ذلك من خلال جدلية هيجل الشهيرة المعبرة عن علاقة التناقض التي تجمع السيد بالعبد، فالسيد يرتفع عن الأشياء المادية وعن العمل ويسخر العبد كبيان لسيادته لخدمته، أما العبد فينخرط في العمل ، ويسخر قدراته للتأثير في الأشياء، وتشكيلها وفق إرادته، وبمرور الوقت ينسى السيد طريقة التأثير في الأشياء، ويصير تابعا للعبد، ومن هنا يصير كل واحد منهما يدرك حقيقة نفسه وقيمة ذاته، من هذه الجدلية يظهر كل "أنا" مستقل عن الآخر، ومقابل له وجها لوجه، كلا يسعى لإثبات ذاته أمام الآخر، باعتماد الصراع والتناقض.
لكن الصراع ليس مفهوما أخلاقيا خاصة عندما يتحول إلى عنف، وهذا ما نلاحظه في صراع الحضارات، والنظر إلى الصراع على أنه خلاف وانفصال يؤدي إلى نشر ثقافة اللاتسامح، التنافر الوحشي.
   من خلال عرض الموقفين يتبين أن أن التعرف على الأنا يكون جماعيا عبر الأخر كما أنه يرتبط بالأنا انفراديا، أي أن الأنا يتكون من الآخر، كما أنه شخصي، أي رسم دائرة الانفراد دون العزلة عن الغير أي تشكيل للأنا جماعي وفردي أي تنظيم ثنائي يكون ذات شاعرة ومفكرة في نفس الوقت.
حل المشكلة:
   إن شعور الإنسان بذاته متوقف على معرفة الآخرين باعتبارهم كائنات تستحق المعاشرة والاحترام والتزكية؛ ومغايرته لهم، إن كانت ضرورية لتثبيت الذات وتأكيد خصوصياتها، لا تكتمل ولا تزدهر إلا بوجود الآخرين والعمل معهم في ظل التعاضد والمحبة.
استاذة الفلسفة: دراف خديجة

الجمعة، 31 يناير 2020

مقالة الحرية لشعبة العلمية

السؤال: هل الإنسان حر أم مقيد؟
طرح المشكلة:
إذا كان الإنسان كائن عاقل تصدر عنه سلوكات متعددة، والتي يتحمل مسؤولية نتائجها، لأنها نابعة من حريته، غير أن هذا الحكم كان محل نقاش وجدل، بل وأكثر من ذلك، فقضية الحرية هي قضية الإنسان في كل زمان ومكان، وتاريخ الإنسان حافل بشواهد كثيرة لاهتمام الإنسان بهذه القضية، واعتبارا لذلك تكون مشكلة الحرية من أكثر المشكلات التي نالت استقطاب المفكرين، وحملتهم على جعلها من مواضيعهم الأساسية خاصة الفلاسفة، فهناك من اعتبر أن الإنسان حر حرية مطلقة، وهناك من اعتبر أنه مقيد وخاضع ومجبر في كل ما يقوم به، الأمر الذي أفرز مشكلة فلسفية صعبة الحل: هل الإنسان حر أم لا؟
محاولة حل المشكلة:
تذهب مجموعة من الفلاسفة إلى أن الإنسان حر في اختيار الأفعال التي يقوم بها، منهم المعتزلة، برغسون، كانط، ... ، وقد اعتمدوا على عدة براهين:
- لو كانت أفعال العباد من صنع الله، لما كان سيحاسبهم عليها يوم القيامة.
- لو كان الله هو الذي خلق أفعال العباد ومنها الكفر، والعصيان اللذان يستحقان العقوبة لكان كالذي لا يرض عما عمل ويغضب مما خلق وهذا لا يقبله عاقل.
- وكذلك نجد أن شعور الإنسان أو إرادته هي العلة الأولى بجميع أفعاله، وهي منحصرة في قرارة نفسه، ويعتبر برغسون الشعور دليل كاف على وجود حرية الإنسان، يقول: "حين أشعر بأفعالي تجري في نفسي متجددة، أشعر في نفس اللحظة بأني حر ".
- التجربة النفسية حسب ديكارت تثبت أن كل فرد يشعر بأنه يتمتع بإرادة لا تحدها حدود، يقول ديكارت:"إن حرية إرادتنا يمكن أن نتعرف عليها بدون أدلة".
- الواجب الأخلاقي حسب كانط دليل على حرية الإنسان لأنه لا قيمة لهذا الواجب إذا انعدمت الحرية، فيجب التسليم بوجودها من أجل تأسيس الأخلاق، يقول كانط:"إذا كان يجب عليك، فأنت إذن تستطيع".
- الوجود الحقيقي حسب سارتر ميزة يمتاز بها الإنسان فقط، وذلك لأنه يتطلب الاختيار والحرية، أي أن الوجود مرادف للحرية في قوله: »حقا فأنا الذي أختار أفعالي«.
لكن هناك عوامل حتمية تتحكم في سلوك الإنسان فهو يخضع لظروف نفسية واجتماعية وبيولوجية...، كما أنهم اعتمدوا في البرهنة على الشعور غير أن هذا الشعور متغير.
يرى نفاة الحرية وهم أنصار الجبر وخاصة الرواقية، الجهمية، ... وأنصار الحتمية بأن الإنسان مقيد ولا يمتلك حرية وقد برهنوا على موقفهم بعدة حجج وهي:
- العالم حسب الرواقية يخضع في حركته وفي نشاطه لضرورة مطلقة، وأن الحوادث الطبيعية والبشرية يتحكم فيها نظام ثابت أو قوانين عامة تظهر في سلسلة من العلل والأسباب، وهذا يعني أن ما يحدث للإنسان مفروض عليه لذا: »عش وفق الطبيعة « .
- الإنسان حسب جهم بن صفوان يخضع لضرورة متعالية وهي القدرة الإلهية (القضاء والقدر)، لأن الله وحده الخالق، ولا يجب أن يكون هناك خالق غير الله، وإن شاركه أحد في ذلك فإنه يشرك به، والأفعال تنسب إلى الإنسان على سبيل المجاز لا حقيقة كما تنسب الأفعال إلى سائر الجمادات.
- سبينوزا فإنه يؤمن بوحدة الوجود (وتعني الفكرة أن الله هو الطبيعة الطابعة والكون هو الطبيعة المطبوعة، أي أن الله هو الذي يطبع كل شيء بطابعه الخاص ويحدد كل شيء حتى الظواهر الطبيعية) ومادام الإنسان موجود داخل هذه الظواهر فهو خاضع لهذه القوة الإلهية.
- وحسب فرويد ودور كايم يرون بأن الإنسان يخضع لحتمية في حياته اليومية فهو مقيد وغير مسؤول عن أفعاله، وهذه الحتميات تتمثل في الحتمية الطبيعية والاجتماعية، النفسية، البيولوجية.
     غير أنها هذا يتناقض مع التكاليف الشرعية المبنية على الوعي والحرية فالإنسان المكلف شرعا هو الإنسان الواعي والحر العاقل، كما أن الإيمان بالجبر يؤدي إلى الاستسلام والخضوع والكسل.
ومن خلال التعارض بين الموقفين نجد رأي ثالث تركيبي هو رأي فرقة الأشاعرة بزعامة الحسن الأشعري ترى أن أفعال الإنسان لله خلقا وإبداعا، وإنها للإنسان كسبا ووقوعا، وبالتالي فإن أفعال العباد تتم بالمشاركة بين الله وعباده وهذا لأنه لا يحتاج إلى معين ولكن العبد يحتاج إلى عون منه، لهذا فالفعل ينسب إلى فاعلين: الله والعبد.
حل المشكلة:
بناء على التحليل السابق نستنتج أن مشكلة الحرية أو بالأحرى الطرح الكلاسيكي للحرية بين الإثبات والنفي لم يصل إلى الحل المتفق عليه، إلا أن نضع الحرية في مكانها الصحيح، فننقذها من النفي الصارم ومن الإثبات المطلق، فالمهم أن تشيد آفاق التحرر أمام الإنسان المعاصر.
استاذة فلسفة :دراف خديجة

مقالة العادة والارادة لشعبة الأداب وفلسفة

السؤال:        أيهما أجدى لتحقيق التكيف العادة أم الإرادة؟
المقال:
تصدر عن الإنسان عدة سلوكات وأفعال، منها ما يتم بسهولة ورتابة مثل أفعال الغرائز والعادات، ومنها ما يتم بواسطة الإرادة والقصد، لهذا اهتم العلماء بمسألة السلوكات الإنسانية ووضعوها قيد الدراسة والبحث ومن بين هذه السلوكات التي نالت حظها من الدراسة والاهتمام نجد السلوك التعودي والسلوك الإرادي، اللذان اختلف الفلاسفة حول أيهما أداة مساعدة لتكيف الإنسان مع محيطه، فهناك من رأى أن السلوكات التعودية وما يطبعها من يسر وسهولة تكون أداة مرنة للتكيف، وهناك من رأى أن السلوك الإرادي وما يطبعه من كونه واعي يكون أساس مواجهة الإنسان للمواقف وللتكيف معها، ومن هذا الجدل نطرح التساؤل التالي: هل يتكيف الإنسان مع محيطه من خلال السلوكات التعودية أم من خلال السلوكات الإرادية؟
يرى بعض الفلاسفة  الماديون وعلماء النفس وأنصار النزعة الآلية أن الإنسان في تعامله مع الواقع وفي سعيه إلى إدراك العالم الخارجي يعتمد على العادة باعتبارها سلوكا نمطيا رتيبا يسهل الاندماج السريع، ومن الحجج التي يبررون موقفهم بها: أن التجارب التي قام بها كل من واطسن وبافلوف بينت أن السلوك ينبني على أساس التعود، كما أن الطفل  في مراحله الأولى يعتمد بدرجة كبيرة  على تقليد الكبار، كما أن العادات الاجتماعية تجعل الفرد أكثر انسجاما مع مجتمعه، لأن نماذج السلوك التي يقدمها المجتمع تأتي في شكل قوالب جاهزة تفرض نفسها على الفرد وتوجه سلوكه، وكما أن هذه العادات تجعل المجتمع أكثر ترابطا مثل التعاون والتضامن....، و تساهم العادات الأخلاقية في غرس السلوكات الحميدة كعادة الإحسان إلى الغير، أما العادات الحركية تجعل الإنسان أكثر حيوية من خلال جعل الأعمال سهلة، يقول وليام جيمس:"لولا العادة لقضينا أياما كاملة في القيام بأعمال تافهة"، ومثال ذلك الطفل الذي لم يتعود على الكتابة فنجده يستعمل أغلب عضلات جسمه.
لكن هذا الاتجاه مبالغ في موقفه لأنه ينظر للإنسان نظرة آلية فلا فرق عندها بين الإنسان والآلة، فالإنسان يتميز بالوعي والشعور، وهذه الخاصية تمكنه من تجاوز النمطية التي تأسر السلوك وتحجره وتجعله غير قادر على مسايرة التحولات وينكشف عجزه في التكيف مع المواقف الطارئة، يقول إيمانويل مونيي:"لا يمكن اعتبار الإنسان شيئا أو موضوعا لأنه يتميز بالإرادة والوعي".
وخلاف ذلك يرى بعض الفلاسفة من بينهم سبينوزا أن الإنسان يعتمد في التكيف بالأساس على السلوكات الإرادية، فهي عبارة عن فاعليات متحررة تجسد معقولية الإنسان وقدرته على الابتكار والتجديد، ومن الحجج التي يبررون موقفهم بها: أن ما يتميز به السلوك الإرادي من خصائص ومرحلية منطقية في تركيبه تجعله أداة تخطيط لتجاوز أصعب المواقف التي يواجهها الإنسان، لهذا يقول شارل بلوندال:"إن الإرادة والعقل هما من الهبات الرائعة"، وحجة أخرى تبين أن الواقع متغير، لهذا يحتاج دائما لابتكار حلول جديدة وهذا ما لا نجده في السلوك التعودي، وعلم النفس يكشف لنا أن الطفل يبني شخصيته عن طريق المعارضة خاصة أثناء المراهقة، لهذا تقول هيلين زيمرن:"إن الإرادة هي الفاعل والمحرك في كل الوظائف"، وحجة أخرى هي أن الفعل الإرادي فعل حر ولا يقيد الإنسان هذا ما يجعله أمام خيارات عديدة،  يقول كانط:"إن كنت تريد فإنك تستطيع".
لكن الإرادة بمفردها عاجزة ما لم تدعمها آليات تصبغ عليها الثبات والنظام، ولو قيست نسب استعمال العادة والإرادة لوجدنا أن السلوك التعودي يأتي في الصدارة.
ومن هذا التعارض نجد أن التركيب بينهما يعني التكامل بين العادة والإرادة وكذا التفاعل الوظيفي القائم بين الثوابت والمتغيرات في السلوك البشري، فكما أن الإرادة دور في تكوين العادات نجد أن العادات تعزز الأفعال الإرادية، يقول تيسير شيخ الأرض:"إن الإرادة قضية عادة".
إلى هنا وبالاعتماد على كل معطيات التحليل السابق وكحل للتساؤل المطروح نستنتج في الأخير أن العادة والإرادة فعاليتان أساسيتان للتفاعل وللتكيف مع المحيط وإدراك العالم الخارجي وهما وسيلتان متكاملتان متعاونتان، وعليه فإن الإنسان يحقق تلاؤمه مع محيطه بواسطة العادة والإرادة معا، يقول دولاكروا:"إن الانتباه وإرادة التعلم، وكيفية تصور العمل كل ذلك يؤثر في تكوين العادات"، ويقول تيسير شيخ الأرض:"الإرادة ليست قوية إلا بفضل العادات".
استاذة الفلسفة: دراف خديجة

 اي مقال تحتاجونها اخبروني